ابن الزيات

286

التشوف إلى رجال التصوف

ثم مكثت أياما فاتصل بي أن والدي سافر من بلد أزمور . ثم أتيت إلى منزلي فوجدته واقفا وكان من عادته إذا أراد أن يكلم أحدا يطأطئ رأسه ويتكلم وهو ينظر الأرض . فقال لي : أما بلغك الخبر ؟ فقلت له : ما بلغني شئ . فقال لي : مات صاحبنا . وانصرف عنى . فلم أفهم معنى كلامه . فأقمت أياما وجاء الخبر بموت أبى ؛ ثم ورد على كتاب فيه كيفية قتله . فلقيت أبا محمد صالح ، فقلت له : كيف قتل أبى ؟ فحدثني بأمره كما ورد على الكتاب بشرح الحال ولم يخالف قوله شيئا مما ورد على به الكتاب . قلت : أدركت أنا بمراكش أبا محمد صالح ورأيته . فكان يأتي إلى فيكلمنى بكلام لا أفهمه . وإذا رآه من لا يعرفه ، يقول : هذا مجنون . وكان المساكين لا يفارقون منزله . فتارة يخرج إليهم بصدقات وتارة يرمى إليهم الدراهم من بين الأبواب . وكان من أعاجيب الزمان وأخباره كثيرة ويكفى منها ما أوردته . ومنهم : 180 - أبو إبراهيم إسماعيل بن وجماتن الرجراجى من أهل أدّار من بلد رجراجة وبه مات عام خمسة وتسعين وخمسمائة . وكان أبو إبراهيم من أكابر العلماء ، واتفق أهل عصره على أنه من الأوتاد وغلبت عليه أحوال المشاهدة ، فلم يتفرغ لأخذ العلم عنه ؛ فيظن الجاهل أنه تصيبه غاشية . وكان لا يتكلم إلا بالكلام العربي الفصيح وكان محفوظا ، يتكلم بما شاء ولا يبالي . وكان يأوى في بيته بمكان لا عمران حوله فلا يخرج إلى في أوقات الصلوات . فمرة يخرج وعليه كسوة سنية ، ومرة يخرج وعليه تليس . وكان أكثر كلامه : ألا لا تؤذوا أولياء اللّه ! ألا لا تؤذوا أولياء اللّه ! ألا لا تؤذوا أولياء اللّه أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( يونس : 62 ) يعيد هذا الكلام في أكثر الأوقات . وكراماته منقولة نقل تواتر . أخبرني الثقة عن الشيخ الصالح أبى محمد صالح بن ينصارن الماجرى أن أبا إبراهيم أقام بمدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بعد أن حج نحو العشرين سنة بين الروضة والمنبر إلى أن سمع هاتفا يقول له : يا إسماعيل ، اذهب إلى المغرب فقد